محمد بن جرير الطبري
45
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : أخبر الله سبحانه ما العبادُ قائلون قبل أن يقولوه ، وعملهم قبل أن يعملوه . قال : ولا ينبئك مثلُ خبير : ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) ، [ سورة الزمر : 56 - 58 ] ، يقول : من المهتدين . فأخبر الله سبحانه أنهم لو رُدُّوا [ إلى الدنيا ، لما استقاموا ] على الهدى ، و [ قال ] : ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ، ( 1 ) وقال : " ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة " ، قال : لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى ، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا . * * * قال أبو جعفر : وأولى التأويلات في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إن الله جل ثناؤه ، أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهدَ أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها : أنَّه يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرِّفها كيف شاء ، وأنّ ذلك بيده يقيمه إذا شاء ، ويزيغه إذا أراد = وأنّ قوله : ( كما لم يؤمنوا به أول مرة ) ، دليل على محذوف من الكلام = وأنّ قوله : " كما " تشبيه ما بعده بشيء قبله . وإذْ كان ذلك كذلك ، فالواجب أن يكون معنى الكلام : ونقلب أفئدتَهم ، فنزيغها عن الإيمان ، وأبصارَهم عن رؤية الحق ومعرفة موضع الحجة ، وإن جاءتهم الآية التي سألوها ، فلا يؤمنوا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله ، كما لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبلَ مجيئها مرَّة قبل ذلك . * * *
--> ( 1 ) في المطبوعة : ( ( فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه . . . ) ) حذف بعض ما في المخطوطة . وفي المخطوطة : ( ( فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا على الهدى وقال : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه . . . ) ) فأثبت نص المخطوطة ، وزدت ما زدته بين القوسين حتى ستقيم الكلام .